“لكويرة”.. حين ينفصل توظيف التاريخ في سجالات النخب عن الواقع*

زوم- جدل واسع أثارته أطروحتان متناقضتان ، الأولى تقول بتبعية موريتانيا تاريخيا للمغرب، والثانية على عكس ذلك، تجعل المغرب امتدادا لموريتانيا.
جدل ،يكشف حدود توظيف الماضي في صراعات الحاضر، لكنه ورغم ذلك التوظيف الواسع عبر الفضاء الازرق ظل حبيس دائرة ضيقة ، لاتؤثر على التعاون الإستراتيجي المتصاعد بين انواكشوط والرباط .
لا تختلف شعوب المنطقة حول تاريخ وحدود بلادهم لكن بعض مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، بمن فيهم صحافيون وكتاب وشخصيات دينية، يعمدون أحيانا إلى توظيف قراءات خاصة للتاريخ في سجال يوحي بأن العلاقات بين الدول تُختزل في روايات تاريخية متنافسة، أو أن التقارب بين بلدين يستلزم بالضرورة الخصومة مع الثالث.
نقاش حول لكويرة تجاوز حدود البلدة وموقعها الجغرافي إلى سجال أوسع بشأن تاريخ موريتانيا وسيادتها، والعلاقة بينها وبين المغرب، في وقت تواصل فيه انواكشوط تعاونها المؤسسي مع الرباط .
قبل سنوات من الآن، تحديدا في أغشت 2022، تسبب الداعية المغربي الشيخ أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في إثارة عاصفة من الانتقادات لما اعتبر وجود موريتانيا دولة مستقلة “غلط”، ودعا إلى استعادة المغرب حدوده السابقة للاستعمار الأوروبي.
تصريحاته تلك، أثارت اعتراضات موريتانية واسعة، قبل أن يعلن استقالته من رئاسة الاتحاد في 28 أغشت، من العام نفسه، ثم انسحابه من العمل التنظيمي. وأكد الاتحاد حينها أن مواقفه لا تمثل بالضرورة موقف المؤسسة.
اليوم وفي سياق الجدل الذى أثاره تقرير الأمين العام للأمم المتحدة من أن موريتانيا طلبت تشكيلة لجنة لتوضيح حدودها الشمالية ، استعاد البعض- عن قصد ، أو عن غير قصد- تصريحات الريسوني المثيرة من دون ان يبرز التمييز بين رأي الريسوني، وموقف المملكة المغربية التى تحرص قولا وفعلا و في كل مناسبة على احترام السيادة الموريتانية .
مهما كانت مكانته الريسوني العلمية والدينية السابقة، فإنه لا يتحدث باسم الحكومة المغربية، ولا تمنح صفته الفكرية تصريحاته صفة الموقف الرسمي.
كما لا يصح تحميل الشعب المغربي مسؤولية آراء فردية، أو التعامل معها باعتبارها تعبيرا عن إجماع وطني مغربي.
المفارقة الأعمق، أن بعض الردود الموريتانية على أطروحة “مغربية موريتانيا” غير المؤسسة على سند رسمي، دفعت بعض الموريتانيين إلى تقديم قراءة معاكسة للتاريخ، ذهبت إلى أن المغرب يمكن اعتباره امتدادا لموريتانيا، استنادا إلى الأصول الصحراوية للمرابطين ودورهم في تأسيس مراكش وبناء إمبراطورية امتدت شمالا إلى المغرب والأندلس.
اتجاهٌ ، ظهر بوضوح في مقال نشره وزير الإعلام الموريتاني السابق سيدي محمد ولد محم، في شهر أكتوبر الجاري، رد فيه على ما اعتبره ادعاءات بشأن مغربية موريتانيا، مستندا إلى تاريخ المرابطين والكيانات السياسية التي قامت في المجال الصحراوي.
مجادلة ، تقدم مثالا على الكيفية التي يمكن بها استخدام الوقائع التاريخية نفسها لبناء استنتاجات متعارضة.
ذلك أن المؤسسات التاريخية الموثوقة، ومنها متحف المتروبوليتان للفنون، تؤكد أن المرابطين، وهم قوة نشأت في المجال الصحراوي، أسسوا مراكش عاصمة لهم في القرن الحادي عشر، ثم أقاموا إمبراطورية امتد نفوذها إلى أجزاء من الصحراء والمغرب والجزائر والأندلس.
لكن هذه الوقائع لا تثبت أن المغرب المعاصر ملك لموريتانيا، مثلما لا تثبت أن موريتانيا المعاصرة كانت جزءا من الدولة المغربية بالمعنى السياسي والقانوني الحديث.
المرابطون لم يكونوا دولة وطنية بحدود اليوم، ولم تكن الإمبراطورية التي أقاموها مطابقة للخرائط السياسية الحالية.
بالمنطق نفسه، فإن تأسيس مراكش على يد المرابطين لا يجعل المغرب تابعا لموريتانيا، كما أن امتداد نفوذ دول مغربية تاريخية إلى مناطق صحراوية لا يمنح المغرب تلقائيا سيادة على موريتانيا الحالية.
التاريخ المشترك ليس سند ملكية
مقارنة تكشف خللا منهجيا في جانب من السجال الدائر: فبدلا من الاحتكام إلى الوثائق والسياقات التاريخية، يجري أحيانا اقتطاع أحداث من الماضي وتحويلها إلى حجج سياسية جاهزة، ثم استخدام الرواية المضادة لنقضها، من دون أن يفضي ذلك إلى حقيقة جديدة أو حل عملي.
إن التاريخ المغاربي والصحراوي أكثر تعقيدا من أن يُختزل في ملكية حصرية لدولة معاصرة.
فقد شهد قيام إمبراطوريات وإمارات وكيانات سياسية وشبكات تجارية وروابط دينية وقبلية تجاوزت الحدود الحالية، وتداخلت فيها مناطق النفوذ والولاء والتبادل.
لا يمكن نقل هذه العلاقات تلقائيا إلى نظام السيادة الذي تشكل في العصر الحديث.
من حق الباحثين مناقشة البيعات التاريخية، وحدود نفوذ السلاطين، وأدوار القبائل الصحراوية، ونشأة المدن والدول.
لكن إثبات واقعة تاريخية لا يعني بالضرورة صحة كل استنتاج سياسي يُبنى عليها.
فالبيعة في سياق تاريخي محدد تحتاج إلى دراسة طبيعتها ومداها، ولا تثبت وحدها خضوع مجال جغرافي كامل لسلطة مركزية.
كذلك فإن الأصل الصحراوي لحركة سياسية لا يجعل كل الأراضي التي امتد إليها نفوذها ملكا للدولة التي نشأت لاحقا في موطنها الأول.
لهذا، فإن الرد على الريسوني لا يحتاج إلى القول إن المغرب ملك لموريتانيا، كما أن الدفاع عن الرواية التاريخية المغربية لا يقتضي التشكيك في شرعية الدولة الموريتانية.
فكلا الاستنتاجين، يتجاوز ما يمكن للوقائع التاريخية، بمفردها، إثباته.
ضجيج المنصات وواقع الشراكة
يبدو الانفصال بين السجال الإلكتروني والواقع السياسي أكثر وضوحا عند النظر إلى التطورات الميدانية الأخيرة.
ففي 21 أكتوبر الجاري، أكد الناطق باسم الحكومة الموريتانية، محمد ولد ببانه، أن علاقات بلاده بجيرانها، خصوصا في الشمال، جيدة، وأن موقف انواكشوط بشأن لكويرة يقوم على دعم حل سلمي وتوافقي تحت رعاية الأمم المتحدة.
كما شدد على أن توضيح الحدود يستهدف تفادي أي غموض قد تترتب عليه آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية، وليس دليلا على وجود تنازلات أو مطالب جديدة.
خلاصة القول، إن التاريخ المشترك بين موريتانيا والمغرب ليس معركة لتحديد أي البلدين يملك الآخر، بل رصيد إنساني وثقافي يمكن أن يدعم علاقاتهما.
أما تحويل المرابطين أو مراكش أو البيعات القديمة إلى حجج لامتلاك دول الحاضر، فلن يغير خرائط اليوم، ولن يحل قضية لكويرة، ولن يخدم مصالح شعوب المنطقة.
* الشيخ أحمد أمين / رئيس المركز الافريقي الكندي للدراسات والبحوث الإستراتيجية
