مؤتمر ولد الغزواني… الأسئلة الغائبة كانت أكبر الحاضرين

زوم – لم يكن تأخر المؤتمر الصحافي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عن موعده المعلن مجرد تفصيل تنظيمي عابر، بل كان أول مؤشر على طبيعة إدارة حدث كان يُنتظر أن يشكل محطة فارقة في علاقة الرئاسة بالإعلام والرأي العام.
فالمؤتمر الذي كان مقررا أن يبدأ عند التاسعة مساء، لم ينطلق إلا قبيل منتصف الليل، ليستمر حتى الساعات الأولى من صباح السبت. وهو توقيت حدّ عمليا من حضوره الشعبي والإعلامي، وحرم كثيرا من المتابعين من متابعة نقاش يفترض أن يكون من أبرز المواعيد السياسية في البلاد.
لكن الإشكال الحقيقي لم يكن في توقيت البداية، بل في طبيعة المسار الذي اتخذه المؤتمر: هل كان لقاءً مفتوحا للمساءلة، أم مناسبة لعرض حصيلة الحكم من زاوية السلطة؟
اختيار الصحافة… أول سؤال قبل الأسئلة
قبل مضمون الإجابات، برز سؤال يتعلق بتشكيلة الحضور الإعلامي نفسه.
فالمؤتمر لم يجمع مختلف مكونات المشهد الصحافي الوطني، بل اقتصر على مؤسسات إعلامية اختارها القصر الرئاسي، فيما غابت منابر معروفة بحضورها وتأثيرها وخطها التحريري المستقل، وهو ما فتح نقاشا حول حدود الانفتاح الإعلامي في مناسبة كان يفترض أن تكون اختبارا حقيقيا لقدرة السلطة على استقبال مختلف الأسئلة.
فالمؤتمر الصحافي الرئاسي لا يستمد قيمته فقط من حضور الصحفيين، وإنما من تنوعهم، لأن اختلاف الزوايا والأسئلة هو ما يمنح مثل هذه المناسبات معناها السياسي والإعلامي.
أسئلة مريحة… ورئيس في منطقة الأمان
على مستوى المضمون، اتسمت غالبية الأسئلة بالهدوء، وغلب عليها طابع الاستفسار عن الإنجازات والبرامج والسياسات العامة، أكثر من مساءلة الخيارات والقرارات المثيرة للجدل.
وهذا منح الرئيس مساحة واسعة لعرض رؤيته والدفاع عن حصيلة سنوات حكمه، دون أن يجد نفسه أمام مواجهات حادة حول الملفات الأكثر حساسية.
فالصحافة في مثل هذه المناسبات لا تختبر قدرتها عندما تمنح المسؤول فرصة شرح مواقفه، وإنما عندما تضع أمامه الأسئلة التي تشغل الرأي العام والتي قد لا تكون مريحة للسلطة.
الفساد… اللحظة الأكثر حساسية
الاستثناء الأبرز جاء مع سؤال موقع الأخبار إنفو حول ملف الفساد، وصفقات التراضي، وما يثار بشأن استفادة مقربين من رئيس الجمهورية من بعض الامتيازات.
كان واضحا أن هذا السؤال نقل المؤتمر إلى مساحة أكثر حساسية، إذ أطال الرئيس في الإجابة، مؤكداً أن الفساد يمثل خطراً على الدولة، لكنه رفض القول إنه ازداد خلال السنوات الأخيرة، مستنداً إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية والمالية.
غير أن هذه المقاربة تبقى قابلة للنقاش، فالفساد لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات أو معدلات النمو أو عدد المشاريع المنجزة، بل كذلك بمستوى الشفافية، وفعالية أجهزة الرقابة، واستقلال القضاء، ووضوح قواعد الصفقات العمومية.
كما أن نفي الرئيس علمه باستفادة أي قريب له من صفقات عمومية لا يغلق النقاش حول جوهر القضية؛ لأن الإشكال في الدول الحديثة لا يرتبط فقط بسلوك الأفراد، وإنما بوجود منظومة مؤسساتية تمنع تضارب المصالح، وتضمن أن تكون فرص الاستفادة من المال العام خاضعة لقواعد واضحة وشفافة.
الملفات الكبرى التي لم تجد طريقها إلى القاعة
لكن أكثر ما ميز المؤتمر لم يكن فقط ما قيل، بل أيضاً ما غاب.
فبعد سبع سنوات في الحكم، كان منتظرا أن تُطرح أسئلة حول ملفات أثارت نقاشا واسعاً داخل المجتمع.
لم يحضر ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ولا وضعه الصحي، ولا حدود إمكانية تدخل السلطة في ملفه.
كما غابت الأسئلة المتعلقة بالعفو عن بعض المدانين في قضايا الإرهاب، وتداعيات انهيار خزانات الوقود الاستراتيجية، ومسؤوليات الدولة في هذا الملف.
ولم تُطرح بصورة مباشرة قضايا الحريات العامة، ومستقبل حرية الصحافة، فضلا عن أسئلة أزمة الوقود في البلاد، وهجرة الشباب، وارتفاع كلفة المعيشة، ومدى انعكاس الموارد الطبيعية الجديدة، خصوصا الغاز، على حياة المواطنين.
وهي كلها ملفات لا تمثل مجرد عناوين إعلامية، بل قضايا ترتبط مباشرة بثقة المواطن في أداء الدولة ومسارها السياسي.
مؤتمر قدم الرواية الرسمية… لكنه لم يختبرها
لا شك أن الرئيس نجح في تقديم سردية متماسكة حول الأمن والاستقرار والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، كما نجح في الدفاع عن خياراته السياسية بلغة هادئة ومنظمة.
لكن قيمة أي مؤتمر صحافي رئاسي لا تُقاس فقط بقدرة الرئيس على عرض مواقفه، بل بمدى تعرض تلك المواقف لأسئلة مختلفة وصعبة ومحرجة.
ومن هذه الزاوية، بدا المؤتمر أقرب إلى حوار سياسي منظم لإبراز حصيلة الحكم منه إلى اختبار إعلامي مفتوح للسلطة أمام الرأي العام.
فالمؤتمرات الصحافية الكبرى لا يصنعها حضور الرئيس وحده، بل تصنعها أيضاً جرأة الصحافة. وكلما ارتفع سقف الأسئلة، ارتفعت قيمة الإجابات.
