هل تتجه موريتانيا نحو أخطر مرحلة أمنية ..؟

ضربات أمريكية محتملة خطر يهدد جميع دول المنطقة

زوم- قد لا تكون موريتانيا طرفا في أي عملية عسكرية أمريكية محتملة داخل مالي، لكنها قد تجد نفسها من بين أكثر الدول التي ستدفع ثمنها.

لقد أثبتت التجارب السابقة في الساحل وفى مناطق أخرى من العالم ، أن نتائج الضربات الجوية لا تتوقف عند حدود الدولة المستهدفة، بل تمتد سريعا عبر الحدود الهشة، لتولد موجات نزوح جديدة، وتعيد رسم طرق تحرك الجماعات المسلحة، وتفرض واقعا أمنيا وإنسانيا مختلفا على الدول المجاورة.

لابد أن السلطات الموريتانية تتباع باهتمام بالغ المعلومات المتداولة عن بحث واشنطن خيارات عسكرية ضد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في مالي.

إلى الآن، لم يصدر أي إعلان رسمي، حول الموضوع لكن مجرد انتقال هذا السيناريو إلى دوائر النقاش الاستراتيجي يعكس تحولا مهما في النظرة الأمريكية إلى الساحل، ويؤشر إلى احتمال عودة الانخراط العسكري الأمريكي المباشر في منطقة ظلت خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس بين موسكو والقوى الإقليمية بعد الانسحاب الفرنسي.

بالنسبة لموريتانيا، لا تكمن الخطورة في الضربات نفسها، بل في ما قد ينتج عنها.

يفترض بعض المحللين أن تعرض الجماعة الجهادية لضغط عسكري مكثف، يرجح اندفاعها نحو المناطق الأقل استهدافا، بحثا عن فضاءات جديدة للمناورة قرب الحدود الغربية لمالي، حيث تمتد مئات الكيلومترات من المناطق الصحراوية المفتوحة مع موريتانيا.

خبرة التنظيمات الجهادية في الساحل تؤكد أنها نادرا ما تواجه القوة الجوية بمواجهة مباشرة، بل تلجأ إلى الانتشار الأفقي، وإعادة التموضع، وفتح جبهات جديدة لتخفيف الضغط عن معاقلها الرئيسة.

يضاف إلى ذلك أن أي تصعيد واسع قد يطلق موجة نزوح غير مسبوقة نحو الأراضي الموريتانية.

علما أن موريتانيا تستضيف بالفعل واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين الماليين في المنطقة، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى استمرار ارتفاع أعدادهم خلال عام 2026 حتى في غياب أي عملية عسكرية جديدة.

أما إذا تحولت الضربات إلى حملة ممتدة، فإن مناطق الحوض الشرقي قد تواجه ضغوطا إنسانية وخدمية تتجاوز قدراتها، مع ازدياد الحاجة إلى المياه والغذاء والرعاية الصحية والتعليم، في بيئة تعاني أصلا محدودية الموارد.

لا يقتصر التحدي على البعد الإنساني، إذ قد تواجه الأجهزة الأمنية الموريتانية وضعا أكثر تعقيدا مع احتمال اختلاط موجات النزوح بتحركات عناصر مسلحة أو شبكات تهريب تستغل الفوضى الحدودية.

سيناريو يفرض تعزيز قدرات المراقبة والاستخبارات أكثر من الاكتفاء بتكثيف الانتشار العسكري التقليدي.

تطورات تكتسب بعدا إضافيا بالنظر إلى الطبيعة المعقدة للصراع في مالي.

ذلك أن المعركة لم تعد مواجهة بين الدولة وجماعة مسلحة فحسب، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها التنظيمات المرتبطة بالقاعدة وتنظيم داعش، والقوات المالية، والحضور الروسي، واحتمالات العودة الأمريكية.

إضافة إلى أن كل تصعيد جديد قد يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، ويدفع الجماعات المسلحة إلى تغيير أولوياتها ومسارات تحركها.

إلى ذلك تفيد المعطيات المتداولة بأن واشنطن لا تبحث حاليا عن تدخل واسع النطاق، وإنما تدرس سلسلة خيارات تبدأ بتوسيع أنشطة الاستخبارات والاستطلاع الجوي، وقد تتطور إلى ضربات دقيقة تستهدف قيادات ومراكز قيادة وإمداد لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إذا توافرت تفاهمات سياسية وأمنية مع باماكو.

توجه يعكس تغيرا واضحا في القراءة الأمريكية للمشهد.

لقد تحولت الجماعة الجهادية خلال السنوات الأخيرة إلى القوة المسلحة الأكثر انتشارا في الساحل، بعدما وسعت نطاق عملياتها في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وأصبحت تمتلك قدرات تنظيمية وعسكرية مكنتها من تهديد طرق استراتيجية ومراكز حضرية، في وقت أخفقت فيه المقاربات العسكرية السابقة، سواء الفرنسية أو الروسية، في احتواء تمددها.

تثبت كل التجارب الحديثة أن الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها، غير قادرة على تحقيق مكاسب تكتيكية أكثر من قدرتها على حسم الصراع.

فهذه التنظيمات تعتمد على شبكات محلية مرنة، وتستفيد من هشاشة مؤسسات الدولة، والنزاعات المجتمعية، وغياب الخدمات، وهو ما يسمح لها بإعادة بناء هياكلها بعد كل موجة استهداف.

وقد تستثمر الجماعة الجهادية أي تدخل أمريكي في خطابها الدعائي، باعتباره دليلا على “عودة الحرب الغربية” إلى الساحل، بما يعزز قدرتها على التجنيد وكسب التعاطف داخل بعض البيئات المحلية.

كما أن إضعافها قد يمنح تنظيم داعش فرصة لتوسيع نفوذه في مناطق التماس، وهو ما قد يبدل طبيعة التهديد بدلا من إنهائه.

سياسيا، ستكون موريتانيا مطالبة بالموازنة بين شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وعلاقاتها المستقرة مع باماكو، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى صراع المحاور بين واشنطن وموسكو.

أثبتت نواكشوط خلال السنوات الماضية أن سياسة الحياد الإيجابي والتنسيق الأمني الهادئ وفرت لها هامشا واسعا للتحرك، غير أن أي تصعيد جديد قد يجعل الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة.

وبغض النظر عن مصير السيناريو الأمريكي، فإن الرسالة الأهم بالنسبة لموريتانيا تبدو واضحة: التهديد لم يعد يقتصر على احتمال تسلل جماعات مسلحة عبر الحدود، بل يشمل أيضا احتمال تغير كامل في البيئة الأمنية والإنسانية على حدودها الشرقية.

وإذا كانت الضربات الأمريكية قد تضعف تنظيما جهاديا مسلحا لبعض الوقت، فإن تداعياتها قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي برمته، بما يفرض على نواكشوط الاستعداد منذ الآن لمرحلة قد تكون الأكثر حساسية في الساحل منذ سنوات.