مجلة “جون أفريك” تكشف جذور القطيعة بين المغرب والجزائر

دولتان جارتان .. وسرديتان مختلفتان

زوم – رأت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن القطيعة المستمرة بين المغرب والجزائر منذ إغلاق الحدود عام 1994،  لا تعود فقط إلى الخلافات السياسية الراهنة، بل تعكس اختلافا عميقا في المسارين التاريخيين اللذين تشكلت على أساسهما الدولتان، معتبرة أن فهم هذا التباين يمثل مفتاحا لتفسير تعثر الحوار بين الجارين، دون أن يعني استحالة استئنافه.

في تحليل للكاتب والباحث منير فرّام، أوضحت المجلة أن المغرب بنى هويته السياسية على استمرارية الدولة، فمنذ الدولة الإدريسية تعاقبت السلالات الحاكمة مع الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وهو ما أرسى ثقافة سياسية قوامها الاستمرارية والتكيف والانفتاح، وجعل الملكية تمثل خيطا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، أكثر من كونها مجرد مؤسسة للحكم.

 تسلسل يشكل خصوصية لافتة في التاريخ السياسي للعالمين العربي والإفريقي.

رغم الأزمات والتحولات والتأثيرات الخارجية -تقول الجلة- حافظت الدولة على شرعية مؤسسية متصلة امتدت لأكثر من اثني عشر قرنا.

وقد أسهم هذا العمق التاريخي في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم فيها الاستمرارية على التكيّف لا على القطيعة، إذ سبقت الدولة نشوء الأمة الحديثة وشكّلت المحرك الأساسي لوحدتها.

كما تضيف المجلة أن هذه الاستمرارية التاريخية عززت أيضا ثقافة سياسية قائمة على التوافق والانفتاح والاندماج.

ذلك أن المغرب، باعتباره ملتقى طرق بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والفضاء المتوسطي، طوّر قدرة كبيرة على التكيّف، ما جعله يعتمد مقاربة تقوم على توسيع الشراكات وبناء الروابط الاقتصادية والإقليمية.

رؤية، حسب “جون أفريك”، فسرت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وتكثيف شراكاته الاقتصادية، وتطوير مشاريع استراتيجية كبرى من قبيل ميناء طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب مبادرة الأطلسي ومشروع أنبوب الغاز مع نيجيريا. وتعكس هذه التحركات مفهوماً للقوة يقوم على بناء شبكات الترابط وخلق المصالح المتبادلة أكثر من الاعتماد على منطق القوة الصلبة.

مقابل ذلك، اعتبرت المجلة أن الجزائر الحديثة تشكلت على سردية استعادة الدولة بعد 132 عامامن الاستعمار الفرنسي، حيث أصبحت حرب التحرير والذاكرة الوطنية حجر الزاوية في بناء الدولة وثقافتها السياسية، حيث أصبحت تضحيات الشهداء أحد ركائز الذاكرة الوطنية، ما أسهم في تشكيل ثقافة سياسية شديدة التمسك بالاستقلالية . وما تزال هذه التجربة التاريخية تؤثر حتى اليوم في نظرة الجزائر إلى العلاقات الدولية.

اختلاف السرديتين التاريخيتين،  يفسر أيضا ، حسب “جون أفريك” ، تباين الرؤيتين الدبلوماسيتين، فبينما يراهن المغرب على النفوذ عبر الاستثمار والتكامل الاقتصادي وتعدد الشراكات، تمنح الجزائر الأولوية لحماية الاستقلال الذى حصلت عليه بصعبوة.

تشير المجلة إلى أن المقاربتين ليستا متناقضتين بقدر ما هما امتداد لتجربتين تاريخيتين مختلفتين.

ضمن هذا التباين أدرجت المجلة الخلاف حول إقليم الصحراء جنوب المملكة،  إذ ينظر إليه المغرب باعتباره قضية وحدة ترابية واستمرارية للدولة، بينما تتعامل معه الجزائر وفق منطقها من منظور تصفية الاستعمار ، ما جعل النزاع يكتسب مع مرور الوقت بعدا هوياتيا يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي.

رغم عمق الخلاف، أكدت المجلة أن الكلفة الحقيقية تتحملها منطقة المغرب الكبير، التي ما تزال تسجل أحد أضعف مستويات التبادل التجاري الإقليمي في العالم، رغم ما تمتلكه من مقومات التكامل الاقتصادي والبشري والثقافي.

خلصت “جون أفريك” إلى أن تحديات القرن الحادي والعشرين، من التحول الطاقوي والتغير المناخي إلى الأمن الغذائي والذكاء الاصطناعي والسيادة الصناعية، تجعل التعاون الإقليمي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، معتبرة أن التاريخ يفسر الانقسامات لكنه لا يحكم باستمرارها.