ولد أجاي وولد احويرثي وبيرام.. مثلث الأزمة الذي يهز توازنات السلطة والمعارضة في موريتانيا *
عودة “أفلام”، تصدعات “إيرا”، وتعثر الحوار السياسي.. هل بدأت معركة إعادة هندسة التوازنات داخل السلطة والمعارضة؟

زوم – صراع صامت بين مقاربة الاحتواء ومقاربة المواجهة تعيشه موريتانيا منذ أسابيع.
صراع مَثّل واحدة من أكثر اللحظات السياسية حساسية وتعقيدا خلال السنوات الأخيرة.
بدأ الصراع بعد ان تحولت أزمة الحوار السياسي وتعثر التفاهمات حول مستقبل المأموريات الرئاسية إلى مواجهة مفتوحة تداخلن فيها حسابات السلطة، وتصدعات المعارضة مع إعادة رسم خرائط النفوذ داخل الدولة نفسها.
داخل هذا المشهد المتشابك، برز مثلث سياسي بات يختزل جوهر الصراع الدائر في البلاد: الوزير الأول المختار ولد أجاي، وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين المعروف بولد احويرثي، وزعيم حركة “إيرا” بيرام الداه اعبيد.
هؤلاء الثلاثة يختزلون اليوم خيوط الأزمة السياسية الأكثر تعقيدا منذ وصول النظام الحالي إلى الحكم.
بداية الشرارة.. عندما سقط الحوار في فخ المأموريات
كانت السلطة تراهن على الحوار السياسي باعتباره بوابة لتهدئة المناخ الداخلي واحتواء الاحتقان المتصاعد، غير أن النقاش سرعان ما اصطدم بملف بالغ الحساسية يتعلق بإمكانية فتح الباب أمام تعديل دستوري يمهد لتغيير قواعد المأموريات الرئاسية.
هنا ظهر بيرام الداه اعبيد باعتباره رأس حربة الرفض السياسي، حيث أعلن موقفا حادا ضد أي محاولة للمساس بسقف المأموريات، قبل أن تلتف حوله قوى من المعارضة الراديكالية، ليتحول الرجل من مجرد زعيم احتجاجي إلى مركز ثقل سياسي قادر على تعطيل جزء من أجندة السلطة.
ولم يكن ذلك التحول معزولا عن الوزن الانتخابي الذي راكمه بيرام خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت نتائجه في ثلاث انتخابات رئاسية متتالية حاجز 20 بالمائة، في سابقة جعلت من “إيرا” رقما صعبا في المعادلة السياسية الموريتانية.
لكن ما بدأ كخلاف سياسي داخل طاولة الحوار، سرعان ما انتقل إلى مرحلة أكثر توترا عقب توقيف النائبتين البرلمانيتين مريم الشيخ جينك وقامو عاشور، ثم إصدار أحكام قضائية قاسية بحقهما، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل البلاد وخارجها، وعمقت القطيعة بين السلطة وحركة “إيرا”.
عودة “أفلام”.. الرسالة التي قرأها الجميع
في خضم هذا التصعيد، جاء حدث سياسي بدا للكثيرين أبعد من مجرد عودة شخصية معارضة من الخارج.
فقد خصص أنصار حركة “أفلام” استقبالا لافتا لرئيس الحركة حبيب صال عقب عودته إلى نواكشوط قادما من فرنسا، قبل أن يطلق الرجل تصريحات غير مسبوقة أكد فيها أنه لن يشارك مستقبلا في أي نشاط يمكن أن يمس الاستقرار أو السلم الأهلي، داعيا إلى تغليب المصلحة الوطنية والحفاظ على الوحدة الاجتماعية.
ذلك الموقف شكل تحولا كبيرا في خطاب حركة ظلت لعقود توصف بأنها الأكثر تشددا وراديكالية داخل الطيف الزنجي المعارض في موريتانيا، كما أن توقيته أثار تساؤلات مضاعفة، خصوصا أن “أفلام” كانت خلال السنوات الماضية حليفا سياسيا موضوعيا لحركة “إيرا” في ملفات انتخابية وحقوقية شديدة الحساسية.
ولم يكد الجدل يهدأ حول عودة “أفلام”، حتى بدأت مؤشرات التصدع تظهر داخل “إيرا” نفسها، مع توالي الاستقالات والانسحابات من بعض قياداتها الميدانية.
وكان آخر تلك المؤشرات إعلان رئيس مكتب الحركة في نواذيبو، المرابط ولد محمود، انسحابه النهائي من “إيرا”، مبررا قراره بالتقدم في السن ووضعه الصحي، في خطوة وإن بدت شخصية في ظاهرها، إلا أن توقيتها السياسي منحها أبعادا تتجاوز بعدها الفردي.
ولد احويرثي في مواجهة بيرام.. هل بدأت سياسة التفكيك الهادئ؟
داخل الأوساط السياسية في نواكشوط، تتزايد القراءات التي تربط بين هذه التطورات وبين ما يوصف بمحاولة إعادة هندسة المشهد السياسي من طرف وزارة الداخلية وأجهزتها.
وفي هذه القراءة، يظهر وزير الداخلية ولد احويرثي باعتباره مهندس مقاربة جديدة تقوم على تفكيك مصادر التوتر السياسي بهدوء، عبر إعادة ترتيب التحالفات، وسحب الحلفاء من محيط “إيرا”، وإضعاف الحركة من الداخل بدل الاكتفاء بالمواجهة المباشرة معها.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن ما يجري يحمل بصمات عمل سياسي ـ أمني بالغ الدقة، خاصة أن السلطة تدرك أن الصدام المفتوح مع بيرام قد يمنحه مزيدا من الزخم الشعبي، بينما قد يكون تفكيك دائرته السياسية أكثر فاعلية وأقل كلفة.
ومن هذا المنظور، تبدو عودة “أفلام” بخطاب تصالحي، والاستقالات المتلاحقة داخل “إيرا”، وكأنها أجزاء من عملية إعادة تموضع أوسع داخل المعسكر الاحتجاجي.
ولد أجاي.. الخاسر الأكبر في التحول الجديد؟
غير أن أخطر ما كشفته الأزمة الحالية، هو احتمال وجود تباين داخل السلطة نفسها بشأن طريقة إدارة العلاقة مع “إيرا”.
ففي الوقت الذي بدا فيه ولد احويرثي أقرب إلى خيار القبضة السياسية والأمنية، كان الوزير الأول المختار ولد أجاي يُنظر إليه باعتباره صاحب مقاربة مختلفة تقوم على التهدئة وفتح قنوات التفاهم مع بيرام، مع إعطاء الأولوية لمعركة محاربة الفساد باعتبارها المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة الشعبية.
مشهد تغير تدريجيا.
حملة مكافحة الفساد تراجعت إلى الخلف، بينما تصاعد منسوب المواجهة مع “إيرا”، ما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ميزان القوة داخل السلطة بدأ يميل لصالح مقاربة وزارة الداخلية.
ومن هنا تبرز الأسئلة الأكثر حساسية داخل دوائر الحكم: هل ما يجري مجرد إدارة أزمة سياسية عابرة، أم بداية إعادة ترتيب أعمق داخل النظام نفسه؟ وهل يستطيع ولد أجاي الحفاظ على موقعه ونفوذه في ظل هذا التحول؟ أم أن صعود المقاربة الأمنية سيعيد رسم مراكز القوة داخل السلطة خلال المرحلة المقبلة؟
هل تصمد “إيرا” أمام العاصفة؟
حتى الآن، لا توجد معطيات قاطعة تؤكد وجود “خطة سرية” مكتملة الأركان، لكن تزامن الأحداث، وتسارع التحولات، والتغير المفاجئ في مواقف بعض القوى، كلها عوامل تجعل فرضية إعادة تشكيل المشهد السياسي مطروحة بقوة داخل النقاش العام.
وفي كل الأحوال، تبدو موريتانيا اليوم أمام مرحلة جديدة تتجاوز مجرد أزمة بين السلطة وحركة احتجاجية، نحو معركة أوسع تتعلق بمن يملك القدرة على التحكم في مستقبل التوازنات السياسية داخل البلاد.
أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن، فهو ما إذا كانت “إيرا” بقيادة بيرام الداه اعبيد قادرة على تجاوز هذه العاصفة، أم أن مرحلة الاستنزاف وإعادة التفكيك قد بدأت بالفعل.
وبين ولد أجاي، وولد احويرثي، وبيرام الداه اعبيد، تتشكل ملامح مواجهة سياسية قد تعيد رسم المشهد الموريتاني بأكمله خلال الفترة القادمة.
*الشيخ أحمد أمين
