مالي و شبح السيناريو السوري…هل يُعاد إنتاج نموذج سقوط دمشق في بامكو؟*

زوم- تتعرض دولة مالي لأخطر تحول أمني وسياسي منذ انهيار شمال البلاد سنة 2012.

هجمات واسعة ومنسقة نفذتها جماعات جهادية وانفصالية خلال الأيام الأخيرة، أعادت إلى الأذهان بدايات الانهيار السوري قبل سقوط نظام بشار الأسد وصعود الفصائل المسلحة إلى قلب المعادلة السياسية.

هجمات طالت مدنا ومواقع استراتيجية في الشمال والوسط، كشفت عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة والحركات  الطوارقية، رغم التناقضات الفكرية العميقة بين الطرفين. غير أن مراقبين يرون أن الضرورات العسكرية والسياسية باتت تدفع هذه القوى نحو بناء تحالفات تتجاوز الخلافات العقائدية، تماما كما حدث في سوريا خلال سنوات الحرب.

 لا يختلف معظم المتابعين لملف الساحل ، أن التطورات الأخيرة لا تعكس مجرد تصعيد أمني عابر، بل تشير إلى محاولة تدريجية لإعادة رسم موازين القوة داخل مالي، عبر فرض نموذج جديد يقوم على تقاسم النفوذ بين الجماعات المسلحة والفاعلين المحليين، في ظل تراجع قدرة السلطة المركزية على فرض سيطرتها خارج المدن الكبرى.

تحولات تثير مخاوف متزايدة من انتقال الجماعات المتشددة من مرحلة التمرد المسلح إلى مرحلة البحث عن شرعية سياسية، من خلال تقديم نفسها كقوة قادرة على إدارة المناطق وضمان الاستقرار، وهي المقاربة نفسها التي سمحت لفصائل كانت مصنفة إرهابية في سوريا بالتحول لاحقًا إلى طرف سياسي وعسكري مؤثر بعد سقوط نظام الأسد.

 محللون يرون أن بعض التنظيمات المسلحة في مالي بدأت بالفعل اعتماد خطاب أكثر براغماتية، يركز على التحالفات المحلية والإدارة الميدانية بدل الخطاب العقائدي المتشدد، في محاولة واضحة لتحسين صورتها داخليًا وإقليميًا، وفرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة.

كما أن التقارب المتسارع بين الجماعات الانفصالية والتنظيمات الجهادية يعكس، بحسب متابعين، سعيا لتأسيس واقع جديد في شمال مالي، يمنح الانفصاليين نفوذًا سياسيًا وإداريًا، مقابل احتفاظ الجماعات المتشددة بسيطرتها الأمنية والدينية على المناطق الريفية، في صورة باتت تقترب بشكل لافت من النموذج السوري قبل انهيار السلطة المركزية في دمشق.

مقابل ذلك، تواجه السلطة العسكرية في باماكو مأزقا متصاعدا، بعدما بنت مشروعيتها منذ انقلاب 2020 على شعار استعادة الأمن والقضاء على الجماعات المسلحة، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام موجة جديدة من التمدد المسلح رغم الدعم الروسي والقطيعة مع فرنسا والقوات الدولية.

إلى ذلك كله ، يكاد يجمع المراقبون على أن الرهان على الحل العسكري وحده بدأ يفقد فعاليته، وسط تنامي حالة الإنهاك الشعبي واتساع المخاوف من انزلاق البلاد نحو مرحلة تفكك سياسي وأمني أعمق، قد تجعل من مالي ساحة جديدة لتكرار سيناريوهات الشرق الأوسط، ولكن هذه المرة في قلب الساحل الإفريقي.

 

* الشيخ أحمد أمبن