أسبوع الهجمات المنسقة في مالي يعيد خلط أوراق الأمن والنفوذ في الساحل *
مقتل وزير الدفاع، تضارب الروايات، عودة الرئيس الانتقالي بخطاب تعبوي وسط دعوات غربية للإجلاء وإجراءات أمنية مشددة

زوم- دخلت مالي منعطفا حرجا بعد أسبوع استثنائي من التصعيد، بدأ بهجمات منسّقة وغير مسبوقة ضربت، فجر 25 أبريل، مدنا رئيسية في آن واحد، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على احتواء التهديدات المركبة، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
هجوم مركّب يستهدف مركز القرار
الهجمات التي طالت باماكو وسيفاري وغاو وكيدال لم تكن عمليات معزولة، بل بدت – وفق المعطيات المتاحة – جزءا من خطة محكمة استهدفت البنية الصلبة للدولة، بما في ذلك محيط القصر الرئاسي في كولوبا ومرافق سيادية أخرى.
وزارة الدفاع الروسية نشرت رواية تفصيلية تحدثت عن عملية واسعة النطاق جرى إحباطها، مؤكدة أن قوات فيلق أفريقيا” Africa Corps” لعبت دورا حاسما في منع سقوط مراكز القرار.
أرقام ضخمة… ومصداقية معلّقة
الرواية الروسية ذهبت أبعد، متحدثة عن حشد يقارب 12 ألف مقاتل، وخسائر تتجاوز 2500 قتيل في صفوف المهاجمين.
غير أن هذه الأرقام لا تزال بلا تحقق مستقل، في ظل غياب تأكيدات من مصادر دولية، ما يُبقي هامش الشك قائما ويعكس تعقيد المشهد المعلوماتي.
تصعيد سياسي بلبوس أمني
الخطاب الروسي حمل بدوره أبعادا جيوسياسية، مع اتهامات صريحة بضلوع أطراف غربية وأوكرانية في تدريب المهاجمين وتسليحهم، في امتداد واضح لصراع النفوذ الدولي داخل منطقة الساحل.
مؤشرات على بصمات إقليمية خفية
في موازاة ذلك، تتقاطع تحليلات أمنية متزايدة حول احتمال وجود دعم إقليمي غير مباشر لهذه الهجمات، استنادا إلى مستوى التنسيق العالي، ونوعية التسليح، والقدرات اللوجستية التي أظهرتها المجموعات المهاجمة.
قراءة لا تُفصل عن السياق السياسي الأوسع، حيث اتخذت باماكو خلال الفترة الأخيرة موقفا صريحا يعترف بالسيادة المغربية الكاملة على إقليم الصحراء وسحب الإعتراف بالجمهورية التى أعلنتها جبهة البوليساريو من تيندوف الجزائرية، ما وضعها-حسب أولئك- في مسار تصادمي مع جهة فاعلة في الجوار.
ورغم غياب أدلة قاطعة على صدقية هذه الفرضية، إلا أن تكرارها في دوائر التحليل يعكس إدراكا متناميا بأن الصراع في مالي لم يعد محليا خالصا، بل يتغذى من توازنات إقليمية معقدة.
كيدال… اختبار السيادة المتجدد
في الشمال، تعود كيدال لتفرض نفسها كعقدة استراتيجية. فبينما تصف موسكو انسحاب القوات بأنه “تكتيكي”، تظل دلالاته مفتوحة على احتمالات أوسع تمس رمزية استعادة الدولة لسيادتها على المنطقة.
مقتل وزير الدفاع.. ضربة في قلب المنظومة
وسط هذا المشهد، شكّل مقتل وزير الدفاع في هجوم بسيارة مفخخة في كاتي تطورًا بالغ الخطورة، نظرًا لمكانته المحورية في هندسة التوجه الأمني والعسكري للسلطة الانتقالية، خصوصًا في ما يتعلق بالشراكة مع موسكو.
عودة رئيس المجلس الإنتقالي آسيمي غويتا إلى الواجهة
بعد يومين من الغياب عن المشهد العام، ظهر رئيس المجلس الانتقالي في توقيت لافت، حيث استقبل السفير الروسي في باماكو، في خطوة حملت دلالات سياسية واضحة على متانة الشراكة بين الطرفين.
أعقب ذلك خطاب موجه إلى الشعب المالي، سعى من خلاله إلى احتواء القلق الداخلي، مؤكدًا أن الوضع الأمني “تحت السيطرة”، ومجددًا التزام السلطات بمسار “استعادة السيادة” ومواجهة ما وصفه بـ“مخططات زعزعة الاستقرار”. هذا الظهور المتدرج عكس محاولة لإعادة تثبيت صورة الدولة في لحظة حرجة.
إجراءات ميدانية وقيود استثنائية
بالتوازي مع العمليات العسكرية، لجأت السلطات إلى إجراءات أمنية مشددة، من بينها فرض حظر تجوال في العاصمة باماكو من الساعة التاسعة مساءً حتى السادسة صباحًا لمدة 72 ساعة، مع تدابير مماثلة في مدن أخرى مثل غاو، حيث تم تقديم توقيت الحظر إلى ساعات المساء الأولى، في مؤشر على اتساع رقعة التهديد.
طمأنة رسمية… وقلق دولي متصاعد
في مقابل هذه الرسائل، تتزايد مؤشرات القلق الخارجي. فقد دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة مالي فورًا، محذرة من وضع أمني “شديد التقلب”، في خطوة تعكس تراجع الثقة الدولية في استقرار الأوضاع، وترافقت مع توصيات مماثلة من دول غربية أخرى.
بين الوقائع والسرديات
يبقى المشهد محكوما بازدواجية واضحة: تطورات ميدانية ثقيلة، وسرديات متنافسة تسعى كل جهة من خلالها إلى تثبيت روايتها. وبين غياب التحقق المستقل وتضخم الأرقام، تتشكل صورة ضبابية تزيد من تعقيد التقييم.
لحظة مفصلية للساحل
ما شهدته مالي خلال هذا الأسبوع يتجاوز كونه تصعيدا أمنيا عابرًا، ليطرح مؤشرات على تحول أعمق في طبيعة الصراع، حيث تتداخل الحروب غير النظامية مع صراعات النفوذ الدولي.
معطيات تجعل البلاد، تقف أمام اختبار حاسم: إما احتواء الصدمة وتعزيز تماسكها الداخلي، أو الانزلاق نحو مرحلة أكثر هشاشة، تمتد تداعياتها إلى كامل فضاء الساحل.
* الشيخ أحمد أمين
