ملف “نزاع الصحراء” بين ضجيج الوساطات وسقوط أطروحة الإنفصال*

زوم- عاد ملف إقليم الصحراء جنوب المغرب إلى واجهة النقاش الدولي في لحظة تبدو فيها موازين الشرعية أوضح من أي وقت مضى.

بعيدا عن القراءة السطحية التي توحي بعودة الأزمة إلى نقطة الصفر، يكشف هذا الحراك الدبلوماسي المتجدد عن حقيقة مغايرة: القرار الأممي الأخير رقم 2797 لم يُحرّك المياه الراكدة فحسب، بل أنهى عمليا مرحلة كاملة كان فيها الغموض يُستعمل غطاء سياسيا لأطروحة يبدو كما هو واضح أنها  لم تعد تقوى على الصمود.

بعد صدور القرار الأممي الأخير ، لم يعد النزاع يُدار على أساس تعدد الحلول، بل ضمن أفق واحد بات يحظى باعتراف دولي متزايد، يتمثل في مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

سريعا انتفل  الخطاب من شعار  “تقرير المصير” إلى محاولات البحث عن وساطات جديدة، في مسعى واضح لإعادة إدخال أطروحة الانفصال من نافذة دبلوماسية بعدما أُغلقت في وجهها الأبواب الأممية.

الحديث المتداول عن وساطة قطرية محتملة، بدعم أو تشجيع أمريكي، يندرج ضمن هذا السياق تحديدا. فهو لا يعكس أزمة في الموقف المغربي، ولا ترددا في المسار الأممي، بقدر ما يعكس ارتباك الطرف الرافض للحل، الذي وجد نفسه أمام قرار دولي صلب ضيّق إلى حد كبير هامش المناورة السياسية والإعلامية.

حسب رأي عدد من المحللين ، فإن الوساطة، هنا، لا تُستدعى لحل نزاع مفتوح، بل لمحاولة إدارة تداعيات حسمه.

من زاوية مغربية، تبدو هذه التحركات بلا أثر جوهري على مسار التسوية. فالمغرب لم يعد في موقع الباحث عن مخرج تفاوضي، ولا في حاجة إلى وسيط لإعادة شرح مبادرته، بعدما تحولت من مقترح وطني إلى مرجعية دولية.

الرباط اليوم في موقع من راكم الشرعية السياسية، ووسع دائرة الاعتراف، وبنى واقعا تنمويا ومؤسساتيا في أقاليمه الجنوبية جعل العودة إلى أطروحات سبعينيات القرن الماضي أمرا أقرب إلى العبث السياسي.

تحول لا يمكن فصله مطلقا، عن التراجع الواضح لأطروحة الانفصال داخل المنظومة الدولية.

ذلك أن مجلس الأمن، عبر لغته الدقيقة والمتدرجة، وجه رسالة لا لبس فيها: لا مكان لحلول غير واقعية، ولا مستقبل لكيانات مصطنعة خارج منطق الدولة.

وهو ما يفسر هذا الإلحاح المستجد على الوساطات، بوصفها محاولة لكسب الوقت أكثر من كونها بحثا عن حل.

سياق، يفهم من خلاله سرعة النفي الرسمي من جهة الدوحة بأنها لم تكلف بواسطة حول هذا الملف ، مدركة حساسية ملف لم يعد يعاني من غياب الحل، بل من رفض الإقرار به.

كما يعكس وعيا بأن الوساطة، مهما بلغت حرفيتها، لا يمكن أن تنجح في غياب إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

لهءا يرى بعض المهتمين بملف الصحراء ، أن “ضجيج الوساطات” الذي نسمعه اليوم ليس علامة على تعقيد إضافي، بل على تحول نوعي حاسم: أطروحة الانفصال فقدت سندها الأممي، والحل المغربي انتقل من موقع الدفاع إلى موقع القاعدة المرجعية.

ما نشاهده فى الوقت الراهن ، ليس نزاعا مفتوحا على المستقبل، بل نقاشا مؤجلا حول كيفية الالتحاق بواقع دولي جديد فرض نفسه بقوة القرار الأممي.

 

* الشيخ أحمد أمين