“جون أفريك” يعيد قراءة خريطة المغرب الكبير.. قراءة تاريخية تضع المغرب في المركز

زوم- قراءة حديثة نشرها يوم أمس الأحد،  موقع “جون أفريك” الفرنسي ، استنادا إلى عمل أكاديمي للمؤرخ بنيامين باديي، والجغرافية آن-أديلايد لاسكو، والخرائطي غيوم بالافوان.

قراءة تعيد طرح مفهوم المغرب من زاوية مختلفة، فالمجال المغاربي، وفق هذه المقاربة، ليس كتلة جغرافية ذات حدود نهائية، وإنما فضاء تشكل عبر التاريخ وتبدلت حدوده بحسب الأزمنة والسياقات.

ثلاث دول أم خمس؟ سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يفتح نافذة واسعة على تاريخ المغرب الكبير، وعلى حقيقة كثيرا ما تحجبها الحدود السياسية الحديثة: أن الجغرافيا المغاربية أوسع من خرائط الدول، وأن المغرب ظل في صميم تشكيلها التاريخي والجغرافي.

التعريف المتداول في فرنسا يجعل المغرب والجزائر وتونس نواة المغرب العربي، فيما يذهب مفهوم “المغرب الكبير” إلى مجال أوسع يضم موريتانيا وليبيا.

لكن القيمة الحقيقية للقراءة لا تكمن في عدد الدول، بل في تفكيك فكرة الحدود الجامدة أصلا.

ذلك أن التاريخ الجغرافي العربي لم يتعامل مع المنطقة وفق الخريطة السياسية المعاصرة.

لقد كان “المغرب الأقصى” يمثل الامتداد الغربي الأقصى لبلاد المغرب يقابله المغرب الأوسط وإفريقية. وهي تسمية تاريخية تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا الوصفية، وتضع المغرب في موقع متقدم داخل التصور الحضاري للمجال المغاربي.

صورة تزداد وضوحا عند النظر إلى الصحراء. فهذه المساحات الشاسعة لم تكن، في التاريخ، فراغا يفصل شمال إفريقيا عن جنوبها، بل كانت شبكة طرق وحركة وتبادل عبرت خلالها القوافل والتجارة والبشر والأفكار.

هنا تبدو خصوصية المغرب أكثر وضوحا

المغرب بحكم موقعه لم يكن مجرد بلد مغاربي من بين بلدان أخرى؛ بل شكّل تاريخيا نقطة التقاء بين المتوسط والمحيط الأطلسي والصحراء والعمق الإفريقي.

وضعية جغرافية منحت المملكة امتدادات تاريخية وتجارية وثقافية تجاوزت حدودها السياسية، وجعلت موقعها داخل المنظومة المغاربية مختلفا تماما عن مجرد موقع دولة على الخريطة.

حتى الحدود التي كرستها المرحلة الاستعمارية لم تكن محايدة تماما في تشكيل صورة المنطقة.

لفد أعادت الإدارة الاستعمارية توزيع المجالات وربط بعضها بمناطق نفوذ مختلفة، بما أدى إلى فصل أقاليم وفضاءات كانت تربطها قبل ذلك حركة بشرية وتجارية وثقافية متواصلة.

من هنا تكمن إحدى أهم خلاصات القراءة: الخريطة السياسية ليست بالضرورة الخريطة الوحيدة التي تصلح لفهم المغرب الكبير.

إذ هناك خريطة أخرى أكثر عمقا، ترسمها طرق القوافل، والموانئ، ومراكز التجارة، والروابط الثقافية، وحركة السكان، ومجالات التأثير المتبادل.

عند اعتماد هذه الخريطة التاريخية، يصبح المغرب أكثر من مجرد دولة مغاربية؛ إذ يظهر كإحدى الركائز التي لا يمكن فصل نشأة المجال المغاربي وتطوره عنها.

لهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم دولة يتكون منها المغرب الكبير؟ بل: أي جغرافيا نعتمد عندما نريد تعريفه؟.

إذا كانت الإجابة هي جغرافيا الحدود السياسية الراهنة، فقد يبدو المجال محددا وواضحا. أما إذا كانت جغرافيا التاريخ والحركة والتبادل، فإن الصورة تصبح أكثر اتساعا، ويعود المغرب إلى موقعه الطبيعي باعتباره المغرب الأقصى، والواجهة الأطلسية، والجسر الذي يصل المجال المغاربي بعمقه الإفريقي.

القصية -حسب الدراسة – ليست مجرد قضية خرائط. إنها مسألة تتعلق بكيفية قراءة التاريخ نفسه.

ذلك أنه كلما ابتعدنا عن الحدود الجامدة واقتربنا من الجغرافيا التاريخية، برز المغرب لا كطرف في قصة المغرب الكبير، وإنما كأحد مراكزها الأساسية وأكثرها رسوخا – – وفق ما تذهب إليه الدراسة.