“مغربية غاديو، لا مغربية الصحراء”… خلاف مع الرواية أم خلاف مع التاريخ ؟ *

زوم- اختار سيدي عالي بلعمش لمقاله عنوانا صادما: “مغربية غاديو، لا مغربية الصحراء”.

يوحي العنوان منذ البداية بأن موقف وزير الخارجية السنغالي الأسبق الشيخ تيجان غاديو لا يستند إلى قراءة تاريخية، وإنما إلى حسابات سياسية أو اصطفاف ظرفي.

 العناوين، مهما بلغت قوتها البلاغية، لا تستطيع وحدها حسم الأسئلة الكبرى ، ذلك أن التاريخ لا يُختصر في جملة، ولا تُسقطه صياغة جذابة.

لاغرابة أن يختلف كاتب مع سياسي، ولا أن يرفض باحث قراءة تاريخية معينة، فالاختلاف هو جوهر النقاش الحر، والتاريخ نفسه لم يكن يوما رواية مغلقة لا تقبل المراجعة.

الغرابة كل الغرابة ان يتحول نقد موقف إلى محاولة لإلغاء كل ما يستند إليه ذلك الموقف من معطيات ووقائع، وعندما يصبح الاختلاف مع تفسير معين ذريعة لنفي وجود الوقائع التي يقوم عليها.

السؤال المنهجي الأهم: هل الخلاف مع الشيخ تيجان غاديو لأنه أخطأ في قراءة التاريخ، أم لأن النتيجة التي وصل إليها لا تنسجم مع موقف سياسي محدد سلفا؟.

أخي سيدي عالي، إن التاريخ لا يُحاكم بالنوايا، ولا تُفنّد الوقائع بتخمين دوافع أصحابها.

التاريخ ميدان الوثيقة، ومجال البحث، وساحة الأدلة المتراكمة.

إن حديث غاديو عن امتدادات تاريخية مغربية في الفضاء الصحراوي ومناطق جنوب نهر السنغال ليس فكرة طارئة فرضتها السياسة، بل يدخل ضمن نقاش تاريخي طويل حول طبيعة العلاقة التي ربطت الدولة المغربية عبر قرون بالمجالات الصحراوية وبشبكات النفوذ الديني والتجاري والسياسي في غرب إفريقيا.

هنا تحديدا يجب التمييز بين أمرين كثيرا ما يختلطان في السجالات المحتدمة: التاريخ لا يساوي الحدود، والروابط التاريخية لا تعني بالضرورة مطالبات ترابية معاصرة.

الدول الحديثة تُبنى على قواعد القانون الدولي، أما التاريخ فيرصد حركة المجتمعات والدول عبر الزمن. وبين المجالين مسافة لا يجوز طمسها خدمة لأي موقف سياسي.

المغرب اليوم لا يطالب بأي جزء من الأراضي الموريتانية، ولا يطرح مثل هذا الأمر في المحافل الدولية، بل إن العلاقات المغربية الموريتانية تقوم على أساس واضح من الاعتراف المتبادل بالسيادة والحدود.

لذلك فإن تحويل نقاش تاريخي إلى اتهام بالتوسع لا يعكس بالضرورة ما تقوله الوثائق، بقدر ما يعكس قراءة سياسية للوثائق.

الأمر ذاته ينطبق على قضية الصحراء، التي لا يمكن اختزال تاريخها في رواية واحدة أو إنكار تعقيدها التاريخي.

فمن حق أي طرف أن يختلف مع الموقف المغربي، ومن حق أي باحث أن يقدم تفسيره الخاص، لكن اختزال المسألة في نفي كل علاقة تاريخية بين المغرب والصحراء يتجاهل واقعا وثائقيا ظل حاضرا في مختلف مراحل البحث والنقاش.

محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري سنة 1975، أكدت وجود روابط قانونية وتاريخية عميقة وقوية بين سلاطين المغرب وبعض القبائل الصحراوية، مع بقاء الخلاف قائما حول طبيعة الأثر السياسي والقانوني لهذه الروابط. وهذه بالضبط هي النقطة التي تفصل بين البحث العلمي والخطاب الأيديولوجي: فالباحث يناقش الوثيقة، يقرأ سياقها، ويختلف حول تفسيرها؛ أما الخطاب المؤدلج فقد يميل أحيانا إلى تجاهل الوثيقة نفسها عندما لا تمنحه النتيجة التي يريدها.

كما أن اختزال تاريخ المغرب في عهد الملك الحسن الثاني ليس سوى قراءة مبتورة لكيان سياسي يمتد وجوده لقرون.

المغرب ليس نتاج لحظة سياسية حديثة، بل دولة ذات جذور تاريخية عميقة تشكلت عبر سلالات ومؤسسات وتجارب حضارية متراكمة.

أما إدخال مفاهيم العرق والجينات في قراءة تاريخ الشعوب، فهو انحراف عن جوهر البحث التاريخي؛ فالأمم لا تُقاس بأصولها البيولوجية، وإنما بما أنتجته من ثقافة، وما راكمته من مؤسسات، وما تركته من أثر في مسار الحضارة الإنسانية.

إن المأخذ الأساسي على مقال “مغربية غاديو، لا مغربية الصحراء” ليس في تبنيه موقفا سياسيا معينا، فهذا حق أصيل لكل كاتب، وإنما في الإيحاء بأن هذا الموقف يمثل الحقيقة التاريخية النهائية، وأن كل قراءة مخالفة ليست سوى جهل أو تزييف.

التاريخ أكبر من أن يُسجن في شعار، وأعمق من أن يتحول إلى سلاح في معركة سياسية.

إنه ليس ملكا لأصحاب المواقف الجاهزة، بل ملك للباحثين الذين يقتربون منه بتواضع العلم لا بثقة الأيديولوجيا.

من حق سيدي عالي بلعمش أن يختلف مع الشيخ تيجان غاديو، ومن حقه أن يدافع عن رؤيته لقضية الصحراء، لكن ليس من حق أي أحد أن يطالب التاريخ بأن يتخلى عن وثائقه عندما لا توافق قناعته.

التاريخ لا يُكتب بالرغبات، ولا يُمحى بالإنكار.
يبقى دائما وفيا للوثيقة، للبحث، وللحقيقة… لا للخطابة ولا للأيديولوجيا.

* الشبخ أحمد أمين