انتخابات الفرنكفونية : موريتانيا تراهن على ورقة “المرشح الثالث”
إعتذار المغرب و تونس و مصر.. تغليب للمصالح الاستراتيجية

زوم- تختار المنظمة الدولية للفرنكفونية في نوفمبر المقبل أمينها العام للفترة 2027-2030، في أول سباق تنافسي حقيقي منذ إنشاء المنصب عام 1997، بعد أن ظلت الاختيارات السابقة تُحسم غالبا عبر التوافقات الدبلوماسية.
خلال انتخابات نفمبر المقبل ، يتنافس على المنصب أربعة مرشحين، بينهم الموريتانية كمبا با، والرواندية لويز موشيكيوابو، والكونغولية جوليانا لومومبا، والروماني داسيان تشولوش.
سباق دبلوماسي محموم، تبدو فيه المنافسة محكومة حتى الآن بصراع نفوذ بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، أكثر مما هي مواجهة مباشرة بين برامج المرشحين الأربعة.
رغم ذلك تراهن موريتانيا على معادلة دقيقة: أن يتحول الاستقطاب بين المرشحين الأوفر حظا، الرواندية لويز موشيكيوابو والكونغولية جوليانا لومومبا، إلى فرصة تمنح مرشحتها كمبا با موقع “الخيار التوافقي” الذي قد تلجأ إليه الدول الأعضاء إذا تعذر توافقها على أحد طرفي الصراع.
ذلك أن الخلاف بين كيغالي وكينشاسا لا يتعلق فقط بانتخابات منظمة دولية، بل يعكس أيضا تناقضا في المصالح والحسابات الإقليمية داخل القارة الإفريقية. وهو ما قد يدفع عددا من الدول إلى تجنب الاصطفاف الكامل مع أحد الطرفين، والبحث عن شخصية لا ترتبط بأي من محاور التنافس الحاد.
من خلال هذه الزاوية، تقدم موريتانيا مرشحتها باعتبارها قادمة من دولة ذات علاقات متوازنة مع مختلف العواصم الإفريقية والعربية، ولا تحمل معها إرث صراعات إقليمية، وهو عنصر قد يصبح مهما في حال دخلت الانتخابات مرحلة البحث عن حل وسط.
لكن هذا السيناريو، رغم أنه يمثل نافذة الأمل الرئيسة أمام نواكشوط، يبقى احتمالا صعبا وضعيفا بالنظر إلى حجم الترتيبات والتحالفات التي سبقت السباق الانتخابي.
اعتذارات الحلفاء.. حسابات المصالح قبل المجاملات الدبلوماسية
كشفت مصادر مطلعة لموفع “زوم” الإلكتروني، أن عددا من الدول الإفريقية والعربية المؤثرة داخل المنظمة، من بينها المغرب وتونس ومصر وغينيا، أبلغت موريتانيا بأنها سبق أن قطعت التزامات بدعم مرشح آخر، وأنها لا تستطيع التراجع عن تلك المواقف في هذه المرحلة.
غير أن هذه المواقف، وفق قراءة دبلوماسية، لا تؤثر بالضرورة على عمق و قوة علاقات هذه الدول مع موريتانيا، بقدر ما تعكس طبيعة الانتخابات الدولية التي تحكمها حسابات استراتيجية معقدة، حيث تتقدم المصالح الوطنية والملفات الكبرى على الاعتبارات الثنائية.
تدرك القيادة الموريتانية جيدا هذه القاعدة، كما تدرك أن بعض الدول لا تستطيع تغيير خياراتها بسهولة بعد أن بنت تفاهماتها الانتخابية على أساس ملفات تتجاوز المنافسة الحالية.
ذلك أن جارة موريتانيا الشمالية (المغرب،) مثلا، تنظر إلى مختلف الاستحقاقات الدولية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، وبالتالي فإن موقفها في أي انتخابات دولية يرتبط بدرجة كبيرة بمواقف المرشحين والدول الداعمة لهم من هذا الملف.
ومن الطبيعي، وفق هذا المنطق، أن تميل الرباط إلى دعم مرشح أو خيار ينسجم مع رؤيتها الاستراتيجية إذا كان البديل يمثل موقفا لا يتوافق معها في قضية تعتبرها أولوية وطنية.
كما أن لدول أخرى، مثل تونس ومصر وغينيا، حساباتها الخاصة المرتبطة بعلاقاتها الإقليمية والدولية، والتزاماتها السابقة، وتوازناتها داخل المنظمة، وهي اعتبارات تجعل التراجع عن دعم مرشح معين أمرا بالغ الصعوبة.
موريتانيا لا تغلق المعركة
تحديات، كما تظهر المؤشرات لم تدفع موريتانيا إلى الانسحاب من السباق، بل واصلت تحركها الدبلوماسي حتى اللحظات الأخيرة، في محاولة لتوسيع دائرة الدعم واستثمار أي تغير محتمل في موازين المنافسة.
لقد حملت زيارة وزير الخارجية محمدسالم ولد مرزوك، رفقة المرشحة كمبا با يوم أمس الجمعة، إلى داكار دلالات سياسية مهمة، خاصة أن السنغال كانت قد أبلغت موريتانيا سابقا بدعم مرشحها.
زيارة فدمت عدة قراءات؛ الاولى أنها جاءت لتأكيد الموقف السنغالي وتثبيت دعمه، الثانية أنها جاءت لبحث إمكانية قيام داكار بدور دبلوماسي أوسع، بحكم علاقاتها داخل غرب إفريقيا، للمساعدة في إقناع دول أخرى قد يكون لها تأثير أكبر في اتجاهات التصويت.
معركة الفرصة الأخيرة
بين حسابات التحالفات القائمة واحتمال ظهور حاجة إلى مرشح توافقي، تبقى حظوظ موريتانيا مرتبطة بعاملين رئيسيين: حجم الدعم الذي يمكن أن تجمعه قبل موعد التصويت، ومدى قدرة الصراع الرواندي الكونغولي على إنتاج حالة بحث عن طرف ثالث.
فإذا بقيت المنافسة محصورة بين منطق القوة والنفوذ، فإن فرص كمبا با ستظل محدودة جدا ، أما إذا تحولت الانتخابات إلى معركة لتجنب انقسام المنظمة، فقد تجد موريتانيا نفسها أمام فرصة نادرة، حتى وإن كانت صعبة، لتقديم نفسها باعتبارها الحل الوسط الذي يخرج الفرنكفونية من صراع المحاور إلى منطق التوافق.
